هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم

اجْتِمَاعُ الْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَتَشَاوُرُهُمْ فِي أَمْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) :
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَارَتْ لَهُ شِيعَةٌ وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهِمْ، عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَنَعَةً، فَحَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَجَمَعَ لِحَرْبِهِمْ. فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ- وَهِيَ دَارُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَقْضِي أَمْرًا إلَّا فِيهَا- يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْنَ خَافُوهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ، وَاتَّعَدُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ; لِيَتَشَاوَرُوا فِيهَا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الَّذِي اتَّعَدُوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة فاعترضهم ابليس في هيئة شيخ جليل.
قَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ سَمِعَ بِاَلَّذِي اتَّعَدْتُمْ لَهُ، فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تَقُولُونَ، وَعَسَى أَنْ لَا يُعْدِمَكُمْ مِنْهُ رَأْيًا وَنُصْحًا، قَالُوا: أَجَلْ، فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ، وَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ ابْن رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ. وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ ابْن هِشَامٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ:
أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ. وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: نُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ:
أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ مِنْ قُرَيْشٍ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَإِنَّا وَاَللَّهِ مَا نَأْمَنُهُ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَيْنَا فِيمَنْ قَدْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا. قَالَ: فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ، وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنْ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ، زُهَيْرًا وَالنَّابِغَةَ، وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ، مِنْ هَذَا الْمَوْتِ، حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ ، فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ. وَاَللَّهِ لَئِنْ حَبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ الَّذِي أَغْلَقْتُمْ ونَهُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أَنْ يَثِبُوا عَلَيْكُمْ، فَيَنْزِعُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ، حَتَّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ، فَتَشَاوَرُوا.
ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا أخرج عنّا فو الله مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ، وَلَا حَيْثُ وَقَعَ، إذَا غَابَ عَنَّا وَفَرَغْنَا مِنْهُ، فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا وَأَلْفَتْنَا كَمَا كَانَتْ . فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ، وَحَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ، وَغَلَبَتِهِ عَلَى قُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ، وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتَّى يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسِيرُ بِهِمْ إلَيْكُمْ حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَيَأْخُذَ أَمْرَكُمْ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يَفْعَلَ بِكَمْ مَا أَرَادَ، دَبِّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ إنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ، قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِيدًا نَسِيبًا وَسِيطًا فِينَا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَعْمِدُوا إلَيْهِ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتُلُوهُ، فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ. فَإِنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنَّا بِالْعَقْلِ، فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي لَا رَأْيَ غَيْرُهُ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ لَهُ.
تحقيق رواية قصة حضور ابليس مؤتمر دار الندوة
وصف الرواية
وهذه القصة قصة مردودة في واقع التحقيق، وقلما يمر عليها مدقق النظر من أهل العلم بالحديث إلا ويردها، وهي قصة ليس لها إسناد مستقيم معتبر.
أولا : السند والرواية
وعلة هذا السند جهالة شيخ ابن إسحاق:
١/ قول البيهقي : ابن إسحاق إذا لم يُسمِّ من حدثه فلا يُفرح به. وقد أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق فقال: "حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمَّد بن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ." .. ".
٢/ وفي سند الطبري : سقطت الواسطة بين ابن إسحاق وابن أبي نجيح وصرَّح ابن إسحاق فيه بالتحديث عنه، لكن في هذا الإسناد علّة هي: أن شيخ الطبري هو: محمَّد بن حُميد بن حيان الرازي، قال إن الحافظ في التقريب: (حافظ ضعيف) وكذّبه أبو زرعة والنسائي وابن وارة. وقال صالح بن محمَّد الأسدي: ما رأيت أحدًا أحذق بالكذب منه ومن الشاذكوني ، وذكره.
٣/عن ابن عباس قال: [إن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في تثبيت قصاصات النص المنسوخ لمنع انقضائها بعد ساعة واحدةتثبيت قصاصات النص المنسوخ لمنع انقضائها بعد ساعة واحدةصورة شيخ جليل…الخ]
وقد اخرجه ابن عباس من طريق الطبري في تفسيره (١١/ ١٣٥، ١٣٤).
فقال : وهذا الإسناد رجاله ثقات سوى محمد بن إسحاق وهو صدوق حسن الحديث لكنه مدلس وقد عنعن، وقد زالت شبهة تدليسه لكونه قد صرح بالتحديث في رواية أخرى عند الطبري في تاريخه (٢/ ٣٧٠). - [فقال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق قال: حدثني عبيد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج عن ابن عباس، فذكره.]
ويمكن الجمع بين هذه الروايات كالآتي :
١/ والحديث ساقه ابن هشام عن ابن إسحاق فزاد في الإسناد رجلا فقال: "قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس به: سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٠)؛ فإن كان الإسناد محفوظًا فلعل ابن إسحاق سمعه من ابن أبي نجيح بواسطة ثم سمعه منه مباشرة من غير واسطة.
٢/ ويؤيده مرسل قتادة المخرج في مصنف عبد الرزاق (٥/ ٣٨٩).
ما اشتملت عليه رواية حضور إبليس مؤتمر دار الندوة من استنباطات فقهية.
١.فقه الأولويات : ويفهم هذا كالآتي
-وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَارَتْ لَهُ شِيعَةٌ وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهِمْ، عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَنَعَةً، فَحَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَجَمَعَ لِحَرْبِهِمْ
–الأخبار الواردة بشأن هذا:
عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((قد أُرِيتُ دارَ هجرتكم؛ رأيت سبْخةً ذات نخلٍ بين لابَتيْن)) - وهما الحرَّتان - فهاجر مَن هاجر قبل المدينة، ورجع عامَّةُ مَن كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهَّز أبو بكرٍ قبل المدينة، فقال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((على رِسْلك، فإنِّي أرجو أن يُؤْذن لي))، فقال أبو بكرٍ: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: ((نعم))، فحبس أبو بكرٍ نَفْسه على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لِيَصْحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر، وهو الخبط أربعة أشهرٍ.
وعن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((رأيتُ في المنام أني أُهاجر من مكَّة إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب وَهْلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يَثْرب)
**الدرس الأول: الأخذ بالأسباب، بذل الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه كل ما في الطاقة لإنجاح عملية الهجرة، وهذا هو الإعداد المطلوب من المؤمنين، أن يعدوا كل ما يستطيعون، وليس مطلوباً منهم أكثر من هذا: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}، لكن نلاحظ كذلك أنه مع هذا الإعداد العظيم إلا أنه حدثت بعض الثغرات في الخطة، وهذا شيء خارج عن حدود البشر؛ إذ الكمال لله وحده.
-منها: أن المشركين حاصروا بيت الرسول صلى الله عليه وسلم قبل خروجه، مع أن التخطيط أنه يخرج قبل الحصار، لكنهم أتوا قبل موعدهم الذي ظنه الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانيا/ فقه جهاد العدو، ويظهر ذلك جليا كالآتي :
-عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لَا يُخْطِئُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ، إمَّا بُكْرَةً، وَإِمَّا عَشِيَّةً، حَتَّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِجْرَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ، فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا.
قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: مَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ السَّاعَةَ إلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ، تَأَخَّرَ لَهُ أَبُوبَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ رَسُولَ أَخْرِجْ عَنِّي مَنْ عِنْدَكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ ، وَمَا ذَاكَ؟ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصُّحْبَة.
قَالَت: فوالله مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَانِ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتهمَا لِهَذَا. فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَطِ- رَجُلًا مِنْ بَنِي الدُّئَلِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُشْرِكًا- يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ، فَدَفَعَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، فَكَانَتَا عِنْدَهُ يَرْعَاهُمَا لِمِيعَادِهِمَا.
–ومن الأخبار الدالة على ذلك :
وَاسْتَأْجَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِن بَنِي الدِّيلِ، ثُمَّ مِن بَنِي عبدِ بنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا -الخِرِّيتُ: المَاهِرُ بالهِدَايَةِ- قدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ في آلِ العَاصِ بنِ وائِلٍ، وهو علَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فأمِنَاهُ، فَدَفَعَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، ووَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فأتَاهُما برَاحِلَتَيْهِما صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ، فَارْتَحَلَا وانْطَلَقَ معهُما عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ، والدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ، فأخَذَ بهِمْ أسْفَلَ مَكَّةَ، وهو طَرِيقُ السَّاحِلِ.
– ويؤخذ من هذا عدة دروس مستفادة :
**الدرس الأول وفيه : مَشروعيَّةُ استئجارِ المسلمِ الكافرَ.
**الدرس الثاني وفيه: مَشروعيَّةُ استئجارِ الرَّجُلينِ للواحدِ على عمَلٍ واحدٍ لهما.
**الدرس الثالث وفيه: مَشروعيَّةُ استئجارِ الرجُلِ على أنْ يَدخُلَ في العملِ بعْدَ أيَّامٍ مَعلومةٍ، فيَصِحُّ عقْدُهما قبْلَ العملِ.
ثالثا فقه التحصين النبوي : ويظهر ذلك جليا من حيث الآتي:
-فَأَتَى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السِّلَامُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ الَّذِي كُنْتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ.
–والأخبار الواردة بشأن هذا :
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: -(رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) رواه البخاري.
والرؤيا الصادقة الصالحة كانت من بدايات مراحل الوحي لنبينا صلى الله عليه وسلم، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) رواه البخاري.
***ويؤخذ من هذا عدة دروس :
الدرس الأول : "فرؤيا النبي كلها صادقة وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في الرؤيا يوم أُحُد (رؤيا النبي مقتل بعض أصحابه)" كما قال ابن حجر .
الدرس الثاني : "كمَّل الله له ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مراتب الوحي مراتب عديدة: إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" كما قال ابن القيم رحمه
الدرس الثالث : (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة)كما قال القاضي عياض
الدرس الرابع :فى هذا حكمة من الله تعالى، وتدريج لنبيه صلى الله عليه وسلم لما أراده الله عز وجل به لئلا يفجأه الملك، ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها قوى البشرية، فبدأ أمره بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا".
الدرس الخامس :ومنه انها هى من تباشير النبوة وكيفية بدئها، لأنه لم يقع فيها ضغث، فيتساوى مع الناس فى ذلك، بل خُصَّ بصدقها كلها. كما قال ابن البطال في صحيح البخاري عن المهلب.
الدرس السادس :ويؤخذ منه كما قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحى
المراجع
١/ ص 72 - كتاب ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية - مؤامرة دار الندوة - المكتبة الشاملة)
٢/ ص١٤١ - كتاب الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه - باب اجتماع قريش لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم قبل الخروج - المكتبة الشاملة عنه به نحوه، ورجاله ثقات.
٣/ صحيح: أخرجه البخاري (3905) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه إلى المدينة، وأحمد 6/ 198.
٤/صحيح: أخرجه مسلم (2272)، كتاب: الرؤيا، باب: رؤيا النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.
٥/خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 2264
| التخريج : أخرجه البخاري (2264
٦. ص10 - كتاب السيرة النبوية راغب السرجاني - دروس من الهجرة النبوية - المكتبة الشاملة